الذهبي
787
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وَذَكَر ابْنُ الصَّابِئِ فِي كِتَابِ " الأَمَاثِلِ وَالأَعْيَانِ " عَنْ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ قَالَ : خَلا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى يَوْمًا بِنُدَمَائِهِ وَأَنَا فِيهِمْ ، فَلَبِسَ الْحَرِيرَ ، وَتَضَمَّخَ بِالطِّيبِ ، وَفَعَلَ بنا مثله ، فقدم إليه عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ ، فَدَخَلَ فِي رُصَافِيَّتِهِ وَسَوَادِهِ ، فَارْبَدَّ وَجْهُ جَعْفَرٍ ، فَدَعَا غُلامَهُ فَنَاوَلَهُ سَوَادَهُ وَقَلَنْسُوَتَهُ ، وَأَتَى مَجْلِسَنَا ، وَقَالَ : أَشْرِكُونَا مَعَكُمْ ، فَأَلْبَسُوهُ حَرِيرًا ، وَأُحْضِرَ لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ ، فَقَالَ لِجَعْفَرٍ : وَاللَّهِ مَا شَرِبْتُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ ، فَلْيُخَفِّفْ عَلَيَّ ، ثُمَّ ضُمِّخَ بِالْخَلُوقِ ، فَنَادَمَنَا أَحْسَنَ مُنَادَمَةً ، وَسُرِّيَ عَنْ جَعْفَرٍ ، فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَالَ لَهُ : اذْكُرْ حَوَائِجَكَ فَإِنَّنِي مَا أَسْتَطِيعُ مُقَابَلَةَ مَا كَانَ مِنْكَ ، قَالَ : فِي قَلْبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيَّ مَوْجِدَةٌ فَتُخْرِجُهَا ؟ قَالَ : قد رضي عنك أمير المؤمنين ، قال : وعلي أربعة آلاف ألف دِرْهَمٍ دَيْنًا ، قَالَ : قُضِيَ دَيْنُكَ ، قَالَ : وَإِبْرَاهِيمُ ابْنِي أُحِبُّ أَنْ أُزَوِّجَهُ ، قَالَ : قَدْ زَوَّجَهُ أمير المؤمنين بالعالية بنته ، قال : وأوثر أن يُوَلَّى بَلَدًا ، قَالَ : قَدْ وَلاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إمرة مِصْرَ ، فَخَرَجَ وَنَحْنُ مُتَعَجِّبُونَ مِنْ إِقْدَامِ جَعْفَرٍ عَلَى هَذِهِ الأُمُورِ الْعَظِيمَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ ، وَرَكِبَ مِنَ الْغَدِ إِلَى الرَّشِيدِ فَدَخَلَ وَوَقَفْنَا ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ دُعِيَ بِالْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ ، وَبِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ ، ثُمَّ خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ ، وَعَلْيِهِ الْخُلَعُ ، وَاللِّوَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَدْ زُوِّجَ بِالْعَالِيَةِ ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ ، وَحُمِلَتِ الأَمْوَالُ إِلَى دَارِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَخَرَجَ جَعْفَرٌ فَقَالَ لَنَا : وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَعَرَّفْتُهُ بِأَمْرِ عَبْدِ الملك كله ، وهو يقول : أحسن أحسن ، ثُمَّ قَالَ : فَمَا صَنَعْتَ مَعَهُ ؟ فَعَرَّفْتُهُ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِي ، فَاسْتَصْوَبَهُ ، وَأَمْضَاهُ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ : فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَيُّهُمْ أَعْجَبُ فعلا : عَبْدُ الْمَلِكِ فِي شُرْبِهِ النَّبِيذَ وَلِبَاسِهِ مَا لَيْسَ مِنْ لُبْسِهِ ، وَكَانَ صَاحِبَ جِدٍّ وَوَقَارٍ ، أَوْ إِقْدَامُ جَعْفَرٍ بِمَا أَقْدَمَ بِهِ ، أَوْ إِمْضَاءُ الرَّشِيدِ لِمَا حَكَمَ جَعْفَرٌ بِهِ ؟ ! قَالَ القاضي ابن خلكان الْبَرْمَكِيِّ : قَدْ بَلَغَ جَعْفَرٌ مِنْ عُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ ، حَتَّى أَنَّ الرَّشِيدَ اتخذ ثوبا له زيقان ، فكان يلبسه هُوَ وَجَعْفَرٌ مَعًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ صَبْرٌ ، وَكَانَ الرَّشِيدُ شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ لأُخْتِهِ عَبَّاسَةَ ، وَهِيَ أَعَزُّ النِّسَاءِ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مَتَى غَابَ أَحَدٌ مِنْهُمَا لا يَتِمُّ سُرُورُ الرَّشِيدِ فَقَالَ : إِنِّي لا صَبْرَ